كلمة الرئيس

انخرطت بلادنا -منذ فجر الاستقلال- في ورش إرساء دعائم دولة الحق والمؤسسات، إيمانا منها أن التنمية الحقيقية تمر لا محالة عبر مؤسسات محلية قوية تضطلع بأدوارها كاملة. وهذا ما تؤكده الخطب والرسائل الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس التي تحت المنتخبين على الإنصات لتطلعات وانتظارات المواطنات والمواطنين. ولعل تنظيم أول انتخابات جماعية سنة 1960 – حتى قبل المصادقة على أول دستور للمملكة- يبرز بما لا يدع مجالا للشك أن الجماعة الترابية تحتل مكانة سامقة في المسلسل التنموي للمملكة كونها رافعة أساسية لتنمية التراب.

وقد رسخت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 هذه الرؤية المتبصرة الرامية إلى تعزيز دور ومكانة الجماعة الترابية في المسلسل التنموي، لتصبح الجماعة فاعلا محوريا في بناء السياسات العمومية المحلية وشريكا للفاعل الحكومي وللمؤسسات العمومية وباقي الجماعات الترابية، وهي مكانة مرموقة تلقي على المنتخبين مسؤولية جسيمة لمواكبة مختلف الأوراش التنموية والانخراط الإيجابي فيها بتلقائية وروح المواطنة.

وعلى مستوى آخر، عرف الإطار القانوني المنظم لعمل ووظائف الجماعات الترابية تطورا مهما منذ ظهير 1959 الذي نظم أول انتخابات جماعية، مرورا بالميثاق الجماعي لسنة 2002، ووصولا إلى القوانين التنظيمية الحالية التي حققت نقلة نوعية في مجال اختصاصات الجماعات الترابية بمختلف مستوياتها، والتي أضحت اليوم عنوانا بارزا للتنمية المحلية بعد أن راكمت بلادنا ما يزيد عن ستين سنة من الممارسة الديمقراطية المحلية.

وتبقى المقاربة التشاركية العنوان الأبرز للإصلاحات التي توالت على النصوص القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية، بحيث أصبح التشاور ركنا أساسيا في إعداد وتنفيذ وتقييم المشاريع المحلية من منطلق أن القرب الميداني الذي يتمتع به الفاعل المدني يشكل قيمة مضافة ينبغي استثمارها في إغناء البرامج المحلية.

وفي هذا السياق، يحتل برنامج عمل الجماعة مكانة بالغة الأهمية في التدبير الترابي الحديث، باعتباره الوثيقة المرجعية لمجمل المشاريع والأنشطة ذات الأولوية الرامية إلى توفير خدمات القرب للمواطنات والمواطنين، كما يعد خارطة طريق محددة الأهداف وواضحة الغايات لعمل الجماعة على امتداد ولايتها، والذي على أساسه تضطلع الجماعة بتفعيل اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة سواء منها ذات البعد الخدماتي -المرتبطة أساسا بحاجات ومصالح ومتطلبات المواطن اليومية- أو ذات البعد التنموي في أبعاده الشاملة.

وانسجاما مع مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والمرسوم التطبيقي رقم 2.16.301 المتعلق بتحديد مسطرة وشكليات إعداد وبلورة برنامج عمل الجماعة وآليات مواكبته وتتبعه وتحينه، تشرع جماعة سلا في إعداد مشروع برنامج عمل الجماعة للفترة الممتدة من 2022 إلى 2027 بالاعتماد على مقاربة تشاركية أفقية وعمودية منفتحة على كافة المتدخلين والفاعلين والشركاء، معتمدة في ذلك على كفاءة أطرها الإدارية وعلى الخبرات التدبيرية لمنتخبيها.

إن جماعة سلا واعية كل الوعي أن رهانات المرحلة القادمة رهانات جسام تحتم بلورة أفكار ورؤى ومشاريع هيكلية تنموية تهدف الى خلق فرص الشغل وتوفير سبل الدخل القار للمواطنات والمواطنين. فضلا عن تحسين جودة بنية الاستقبال لتكون مرافق الجماعة عند تطلعات الساكنة.

كما أن جماعة سلا تدرك أن هذا البرنامج المستقبلي لا ينطلق من الفراغ، إيمانا منها أن العمل المحلي عمل تراكمي، وهو ما يستلزم وقفة للقيام بتقييم موضوعي لبرنامج عمل الجماعة خلال الفترة السابقة، وهي محطة ستسمح بالوقوف عند أهم الإنجازات والمشاريع التي تم تنفيذها على تراب الجماعة، وكذا إعادة دراسة جدوى وإكراهات المشاريع المتعثرة والعالقة والتي لم تر النور بعد.

ومن جهة أخرى، تستحضر جماعة سلا مخرجات النموذج التنموي الجديد في بعده الترابي، والذي جعل الرأسمال اللامادي في صلب اهتماماته وأولوياته من خلال توفير الفرص للجميع على قدم المساواة ضمن نسق سياسي واجتماعي ومؤسساتي ونسيج اقتصادي وثقافي وبيئي متماسك ومتكامل ومتنوع ومنتج. وهو ما يحتم ابتكار أدوات وآليات للتنسيق والتعاون بما يعزز الالتقائية بين هذه الاستراتيجيات.

لقد أفرزت انتخابات 8 شتنبر 2021 تجربة فريدة فيما يخص تدبير الأحزاب السياسية المغربية لنتائج هذا الاقتراع على جميع مستويات المجالس والهيئات المنتخبة. فقد شكل إعلان توسيع الأحزاب الثلاثة التي تقود الحكومة للتحالف ليشمل الجماعات الترابية تحديا إضافيا لمكونات هذه الأغلبية، من منطلق أن هذه التجربة الأولى من نوعها في المشهد السياسي المغربي تتطلب تظافر الجهود لتقديم نموذج جديد للعمل السياسي.

وعلى مستوى جماعة سلا، بادرت قيادة الأحزاب المشكلة للأغلبية إلى تنسيق عملها طيلة المحطات الانتخابية التي تلت 8 شتنبر، وقد عبرت عن هذه الإرادة صراحة من خلال البلاغات الصادرة عنها مستحضرة ميثاق الأغلبية ومنطلقة منه كقاعدة صلبة للتنسيق وتحديد الأولويات التي تتطابق مع البرنامج الحكومي. وبالتالي بات لزاما - ونحن على مشارف إعداد تصور برنامج عمل الجماعة للسنوات الست المقبلة- إيلاء مضامين البرنامج الحكومي الأهمية اللازمة في إطار الالتقائية.

ومن هذا المنطلق لا يمكن تصور جماعة ترابية تعمل بمعزل عن المصالح الخارجية للقطاعات الحكومية الموجودة على ترابها. وهنا تتجلى الأدوار الدستورية لمؤسسة العامل في تنسيق عمل المصالح الخارجية للوزارت والسهر على حسن سيرها، وكذا مساعدة الجماعات الترابية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية. ما يبرز الدور المهم الذي تلعبه عمالة سلا -في شخص السيد العامل- في تنسيق العمل على إعداد برنامج عمل الجماعة، على اعتبار أن هذا البرنامج جزء من الكل.

وبالرجوع إلى دستور المملكة نجد أنه بوأ الجهة مرتبة الصدارة بين الجماعات الترابية، وهو اختيار مبني على هندسة ترابية تؤسس لمبدأ التفريع بين الجماعات، بحيث تم تخويل الجهة وضع مخطط التنمية الجهوية كرؤية شمولية على مستوى الجهة، في حين أوكل مجلس العمالة الاختصاصات ذات الطابع الاجتماعي والتي ستسعى الجماعة في بلورتها في مخططها الاستراتيجي للعمل وترجمتها إلى مشاريع وبرامج محلية للقرب.

لكل هذه الاعتبارات، تنطلق جماعة سلا في إعداد مشروع برنامج عمل الجماعة 2027-2022 وهي كلها ثقة في قدرة المواطن السلاوي والفاعل المدني والموظف الجماعي والمنتخب على ترجمة انتظارات الساكنة إلى أهداف قابلة للتحقق والقياس، وهو ما يعكسه مضمون وروح شعار: "سلا اللي بغينا".

فمدينة سلا -في وجدان ساكنتها وعموم المغاربة- ترمز إلى العراقة والحضارة الثقافية والعمرانية الغنية والمتنوعة. بالإضافة إلى موقعها الجغرافي المتميز الذي يؤهلها لكي ترتقي إلى مصاف نظيراتها من المدن الكبرى المؤهلة. وذلك من خلال رؤية عمل واضحة تستجيب لمتطلبات النمو السكاني ولا سيما في مجال التجهيزات والخدمات الأساسية مع خلق أرضية خصبة ومناخ ملائم لتشجيع الاستثمار، فضلا عن تأهيل شبكة الطرق وتجاوز إشكاليات النقل والتنقل بين أحياء المدينة ومحيطها الحيوي.

ومقاربتنا في هذا الباب تشاركية تشاورية "من وإلى المواطن" بدءا بإشراك جميع مكونات الجماعة في عملية التشخيص والإعداد لمشروع عملها، عبر تسخير واستثمار قدرات وخبرات كافة نخبها وكفاءاتها وأطرها في عملية بناء وتجويد وإغناء برنامج العمل، لأننا نعتبر نجاح البرنامج على أرض الواقع وتحقيقه لأهدافه الخدماتية والتنموية -على المستوى القريب والمتوسط والبعيد- رهين بالفهم الجيد والاستيعاب الدقيق لمضامينه من قبل أطر وموظفي الجماعة أولا، مع الانفتاح على جميع المتدخلين والفاعلين والمعنيين والشركاء (من سلطات محلية ومصالح خارجية ومجتمع مدني وقطاع خاص...) بما يدعم ويعزز الالتقائية على مستوى المخططات التنموية والسياسات العمومية التي تتقاطع أهدافها التنموية مع محاور برنامج عمل الجماعة في نطاق نفوذ ترابها.

ووعيا بأهمية التواصل الرقمي كمكون لا محيذ عنا في عصرنا الحالي سيكون للتشاور الرقمي نصيب من هذا المسلسل التشاوري الذي سيمتد لستة (6) أشهر، من خلال إتاحة الفرصة للمواطنات والمواطنين للإدلاء بآرائهم على منصات التواصل الاجتماعي وكذا على مستوى المنصة الرقمية الموضوعة لهذا الغرض. فضلا عن إحداث منتديات افتراضية لتبادل وتقاطع الأفكار بحضور المنتخب الجماعي. وبالتالي تعطي الجماعة -منذ أول يوم لإعداد البرنامج- تصورا عن الجماعة التي نريد: جماعة تصغي للمواطن وتستمع لهمومه وتتجاوب معها أيا كانت وسيلة التواصل والتوصل بهذه المشكلات والمقترحات.

وختاما، ندعو الجميع للانخراط الإيجابي لبناء برنامج عمل نجد فيه ذواتنا ويحقق آمالنا في العيش في مجال ترابي ينهل من عراقة الماضي ويتطلع لحداثة المستقبل.

#سلا_اللي_بغينا

                                                                                                                                               

عمر السنتيسي

رئيس المجلس الجماعي لسلا